مقدمة في فقه الإيقاع
شاعت في الفترة الأخيرة عدة مصطلحات تتصل بالبناء الموسيقي للغة الشعر كالإيقاع والعروض والموسيقى والوزن والتوزين ……… إلخ .
وبقدر ما نركز في دراستنا على أهمية المصطلح الأول ؛وهو هدفنا فإننا نوضح علاقته ببقية المصطلحات للالتباس والغموض في علاقة المصطلحات ،وإبرازاً للحقائق وتوضيحها ،وهذه المصطلحات ليست خارجة على الشعر تضاف إليه ،بل هي نابعة منه ،نفرضها أحاسيس الشاعر وأفكاره ،وتبرزها عاطفته ،فليس هناك تحكم في التزام نظماً موسيقية معينة ،تفرض على الشاعر ،بل هو حر في صياغة شعره ،على النحو الموسيقي المؤثر من قبل الشاعر ، فكل الموسيقى ظاهرة من مظاهر الجمال وليست هي الجمال .
فإذا ما تناولنا هذه المصطلحات فسوف تتضح الحقائق جلية فيرى الدكتور شكري عياد أن الوزن ليس إلا قسماً من الإيقاع ويعرف الوزن أو الإيقاع بأنه حركة منتظمة متساوية ومتشابهة ويرى أن الإيقاع يقوم على دعامتين : من الكم والنبر ،مهما اختلفت وظيفة كل منهما (1)
ولا يكتفي بذلك التردد الكمي فمن أجل أن يميز التفاعيل بعضها عن بعض لا بد من تلك الظاهرة الصوتية التي تتردد بين تفعيلة وأخرى ،وعلى ذلك فتعريف الوزن عنده يتضمن الإيقاع ، والمصطلحان لا يفهم أحدهما دون الآخر
ونظرية الدكتور مندور تبني على تفريقه بين (الوزن ) و ( الإيقاع ) فالوزن عنده هو : ( كم التفاعيل مجتمعة ) بغض النظر عن قياس كم كل مقطع ،أما الإيقاع فهو : ( تردد ظاهرة صوتية على مسافات زمنية محددة النسب ). (2)
فالدكتور مندور يعنى بالكم الوزن ، فلو وضعنا كلمة الكم مكان الوزن لكان ذلك داخلاً في تعريف مندور .
إن البحث الطبيعي كما يراه الدكتور شكري عياد هو بحث وصفي .. من شأنه أن يبين ما يتألف منه الإيقاع ،وليس من شأنه أن يفسر الإيقاع ،فهو إذن كالعروض التقليدي سواء بسواء ،إلا أنه يحاول كشف عناصر أخرى للإيقاع ،لم يشملها العروض التقليدي بوسائله الأقل دقة ، و أرى أن البحث الطبيعى فى الإيقاع من شأنه أن يفسر الإيقاع ـ كلما أمكن ـ فالإيقاع حصيلة عناصر متكاملة ،وليس عنصراً واحداً وإذا كان إحساسه هكذا ،فلم لا تقول إن هذه الحصيلة جماع الوزن ؛أي البحر ومن ثم يحسن أن نجعلهما تصوراً واحداً لظاهرة لها مكوناتها هي البيت أو السطر
فالإيقاع بمعنى أخر ظاهرة تقوم على التكرار المنتظم ويلعب الزمن فيها دوراً مهماً ، فهو اسم جنس و الوزن إقليم من أقاليمه .
ويرى الدكتور عز الدين إسماعيل : أن الإيقاع غير الوزن ،وكثيراً ما يتعرض الإيقاع والوزن ؛بحيث يضطر الوزن إلى كثير من التغييرات ،. والإيقاع هو حركة الأصوات الداخلية التي لا تعتمد على تقطيعات البحر أو التفاعيل العروضية ،وتوفير هذا العنصر أشق بكثير من توفير الوزن ،لأن الإيقاع يختلف باختلاف اللغة والألفاظ المستعملة ذاتها ،في حين لا يتأثر الوزن بالألفاظ الموضوعة فيه تقول " عين " وتقول مكانها "بئر " وأنت في أمن من عثرة الوزن . أما الإيقاع فهو التلوين الصوتي الصادر عن الألفاظ المستعملة ذاتها فهو أيضا يصدر عن الموضوع في حين يفرض الوزن على الموضوع . هذا من الداخل ، وهذا من الخارج . (4)
على أن أكثر الأبيات الشعرية امتلاءً بالمعنى وأكثرها حيويةه التي تتوازى فيها حركات الإيقاع الموحية والحركات العقلية ، و الإيقاع هو الذى يلون كل قصيدة بلون خاص ، فالأقرب لطبيعة الشعر أن يكون إيقاعياً لا وزنياً ، أما العروض فلا يفرق بين الفتح أو الضم أو الكسر .
و إذا كانت الموسيقى هى المعرفة الجماعية مثل العروض بزحافاته و علله و قوافيه ؛ فإن الإيقاع هو المعرفة الخاصة و العزف المنفرد ، أي إنه من قبيل الإبداع وبقدر ما يكون في للشاعر إيقاعه الخاص وصوته الفردي يكون إبداعه وأصالته .
و الإيقاع ينقسم إلى جزئين الأول :- " التناغم الشكلي " الذي يتضمن في رأيه إيقاع المفردات بالنظر إلى بنيتها المقطعية ، وتبيان التناغم الذي تحدثه الظواهر الصوتية في بعض مفرداته ،وإيقاع الجمل التي تقوم بنيتها على أساس التصدع ،وتقوم حركتها بتقديم تشكلات مقطعية ؛ وفاعلية نبر وفاعليات صوتية ودلالية . الثاني :- "التناغم الدلالي " الذي يضم إيقاع التواصل ؛ أي انسجام حركة الدلالات فيما بينها ؛مما يدفع إيقاعاً يحمل خصائص متشابهة ؛ مما يفيد ولادة حركات جديدة ،قد تحمل خصائص مغايرة " . (5)
فالإيقاع هو السبيل الذى يستند إليه الشاعر فى حركة المعنى ، و موسيقى الشعر ليست الوزن السليم ،وإنما الموسيقى الحقة هي موسيقى العواطف والخواطر ،تلك التي تتواءم مع موضوع الشعر ،و تتكيف معه .
و قد يكون الإيقاع "وحدة النغمة التي تتكرر على نحو ما في الكلام أو في البيت ،أي توالي الحركات والسكنات على نحو منتظم في فقرتين أو أكثر من فقر الكلام ، و الإيقاع في الشعر فتمثله التفعيلة في البحر العربي .. فحركة كل تفعيلة تمثل وحدة الإيقاع في البيت أما الوزن فهو مجموع التفعيلات التي يتألف منها البيت ،قد كان البيت هو الوحدة الموسيقية للقصيدة العربية " (6)
فالإيقاع وحده نغمية صغرى على هذا الأساس والوزن هو وحدة نغمية كبرى هي البيت وإذا كان الإيقاع تمثله التفعيلة والوزن جماع للتفعيلات أليس من الأولى أن نسمي الإيقاع عنده وزناً و العكس
والشعر عند غنيمي هلال ضرب من الموسيقى إلا أنه تزدوج نغماته بالدلالة اللغوية .
وهناك مصطلح آخر هو التوزين و هو مرادف للوزن ، فالشعر لا يقف عند حد التوزين بل ينطلق إلى ما يسمى ( الإيقاع ) و التوزين يقصد به " تعادل أجزاء الكلام والأصوات وتساوي مقاديرها الزمنية فيما إذا قوبل بالبعض الآخر جملة " . (7)
أما مصطلح النموذج العروضي فهو التتابع الرياضي المنتظم لـ ( التفعيلات ) فيما يسمى البحر الشعرى ، أما الشكل الموسيقي المتحقق فهو يختلف حسب الممارسة الإبداعية لكل شاعر ، و الفرق بين المصطلحين هو طريقة الإبداع الشعرى ؛ أى ليس هناك تطابق بين الشكل الموسيقى و النموذج العروضى .
إن وجود هذه الظاهرة تفرض علينا قراءة غير عروضية ،فالشكل العروضي يخفي تحت أشطره وأبياته شكلاً آخر تفرزه طبيعة التركيب اللغوي وأغلب الباحثين يتفقون على أن الخليل لم يدع حصر جميع إيقاعات الشعر العربي " فلم تكن الأوزان التي استنبطها الخليل بن أحمد وما وضعه لها من قواعد هي القول الفصل في أمر موسيقى الشعر لا في عهد الخليل وعهد تلاميذه ،ولا فيما سبقه من عهود أو ما لحقه منها .
إن العروض العربي ،ليس إلا نظرية في إيقاع الشعر العربي ،وإن كانت هي النظرية التي قدر لها السيادة لأسباب بعضها يتعلق بتكاملها المنهجي – على الأقل شكلياً – وبعضها يتعلق بالظروف التي عاش فيها هذا العروض والشعر العربي نفسه ،"أي في ظل مجتمع لم ينجح في أن يخرج خروجاً جذرياً عن إطار الظروف الاجتماعية والفكر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ